18 ديسمبر, 2009

خارج الحبر !!




· ينفخُ في الورقِ بقايا روحه !!

· يهمسُ لذكرى بعيدة: العطرُ أجنحةُ الفتنة.

· يذهلُ عن سمائه.. كسؤالٍ غاصٍّ بالأجوبة.

· كلما همستْ له الدهشة.. تناثرت قصائدهُ !!

· سيبزغُ من جديد.. إذاً أُفولهُ مُتكرر !!

· مُمتلئٌ بذاتهِ فقط !!

· يجمعُ أشياءهُ اللامعة أولاً.. لذلك تنتظرُ قصيدته طويلاً !!

· من أين يبدأُ ؟! والكلمة التي ينتظرها.. تأخرت كثيراً عن الحضور.. هل تقبلون بقصيدة ناقصة ؟!

· سيدتي القصيدة.. أيُّ عطرٍ تنثُرين ؟!

· مَرَّ من هنا.. يقتفي أثر القصيدة !!

· العطرُ لا يمضي وحيداً.. إنه يُذكِّرني بكِ!!

· كان يتفتتُ في صمتهِ.. إنها القصيدةُ تصهلُ داخله!!

· يكفي منها صوتها.. ليكتمل العمرُ المشروخ ..يكفي وجهها لتنهض في الغياب.. زهورٌ وسنابل!!

· حضورها في القلب.. شرخٌ صاخب في جسد الرتابة!!

· برُغمِ أحلامهِ الكبيرة.. يظلُ الحرفُ حُلُمَهُ الصغير.

· الذي لا يكون إلا خارجاً.. هو بالتأكيد يكون داخلاً!!

· كلُّ لحظةٍ يتذكرها.. يا الله.. كيف يتفتت هكذا ؟! ولا يشعر به أحدٌ!!

· أنت دائماً أكثرُ من لهفتي .. وأقربُ من ضحكةٍ لا تأفل.

· أيُّ هبوب هذا ؟! الذي يرمي الوقت بين يديك جثةً هامدة!!

· الطفل الذي تهجأ حرفه الأول .. هاهو يصل ياءه مُجرداً من الدهشة!!

· الوسادة .. حلمٌ قد لا تدخله أبداً!!

· أكثر الضحكات .. سماءٌ أكثر رحابة !!

· يرضخُ العطر لمشيئتك .. إذاً دعي الوقت طوع أمري.

· الثقوبُ التي تُخلِّفها القصائد الصغيرة.. تُهَرِّبُ ضوءه.. كيف لم ينتبه إليه أحد.. وهو ممتلئٌ بكلِّ هذا الوهج !!

· العتمةُ التي يكونها في لحظات القلق.. هي قصائده الصغيرة المنطفئة بصمت!!

11 أكتوبر, 2009

الشاعر الحديث لا يمكن أن يكون مداحاً !!

الشاعر الحديث لا يمكن أن يكون مداحاً !!

حوار مع الشاعر : عبدالباسط أبوبكر محمد

القصيدة لدى ( عبدالباسط أبوبكرمحمد ) مساحة بحجم قريته الصغيرة ( قصر ليبيا ) وهو بهذا يؤسس أفكارعن الأمكنة والحكايات وهموم الشاعر الصغيرة

حوار : خالد المهير

هل يمكن الاقتراب أكثر من تجربتك؟
- من الصعب أن تقول لأي شخص حدثني عن نفسك، أرى أن اشد الأشياء صعوبة هي أن تقول لشاعر حدثني عن تجربتك، فماذا يمكن أن يقول: تجربة (عبدالباسط أبوبكر محمد) تجربة ليبية شابة بدأت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، محمومة بالبحث والتجريب، بدأت بالإطلاع على التجربة الشعرية العربية عبر جميع عصورها، متوقفةً عند أهم مراحل التجديد ومتعاطية مع جميع التجارب باختلاف الأمكنة والأشخاص، محاولة التوقف عند التجارب الشعرية التي أعطت تجربة الشعر العربي ليس الاستمرارية بل التجارب التي أعطته العمق. بدأت النشر في أواخر عام 1998 عبر الصحف المحلية أولاً، وكان الحلم في تلك الفترة هو كيف يوصل الشاعر صوته، مساحة النشر كانت محدودة جداً، الأمر الذي جعل ليس تجربتي فقط بل أغلب التجارب الشعرية الليبية مكتفية بالداخل دون أن يكون لها بعد عربي كبير. تجربة حاولت فيها التوقف كثيراً عند تجربة الشعر الليبي، مستطلعاً أغلب التجارب ومطلعاً على أغلب النصوص التي أعطت الشعر الليبي مذاقه الخاص. تجربة لا أريد أن أصفها بأي صفة أخرى، إلا أنها حاولت أن تتشكل في (ليبيا)، وترسم مع غيرها من التجارب سياقاً مختلفاً لتجربة الشعر الليبي الحديث. رصيد هذه التجربة الآن:
1.ديوان (في متناول القلب) صدر عام 2005.
2.ديوان (أوقات خارج الوقت) صدر عام 2008
وكذلك مجموعة هائلة من النصوص التي جمعت في مخطوطات منها:
1.بأكثرِ من وجه
2.الوقت جهة خامسة
بالإضافة إلى مجموعة من الكتابات النثرية التي جمعت في كتاب واحد أطلقت عليه (خارج الحبر)، ومجموعة من مقالات حاولت أن اقرأ فيها جيلي (إن صحت التسمية) خصوصاً جيلي الشعري، عبر زاوية أسبوعية في الملحق الثقافي لصحيفة الجماهيرية، وحاولت عبر هذا الزاوية الإحاطة بتجربة الشباب في الشعر الليبي وبالأخص أن الأغلب منها لم يصدر له ديوان في ذلك الوقت، الكتابة النقدية أو فلنقل الاقتراب من الأفق النقدي كان خطوة مهمة في تجربتي الشعرية، على الرغم من أن الأغلب من الشعراء الشباب تجاوز نفسه مرات ومرات، إلا أن هذه القراءات جعلتني على قرب من الجميع وأعطتني فكرة معقولة عن نصوص كل شاعر. أنا الآن أترصد خطى تجربة شابة عبر مجموعة الاصدرات في الفترة الأخيرة سواءً عن مجلة المؤتمر الليبية أو إصدرات مجلس الثقافة العام. ومازلت اعتبر نفسي جزء لا يتجزأ من منظومة نقدية بسيطة، حاولت فيها أنا وكذلك الشاعر (رامز النويصري) الاقتراب من جيلنا الشعري بدون تعالٍ أو ترفع. هذه المجموعة من المقالات تم إعادة كتابة في ضوء ما صدر للشعراء من دواوين، وتم جمعها في كتاب بعنوان (اليد الواحدة) تجربة أستطيع أن أقول عنها وببساطة شديدة أنها تعتمد التجريب والمعاناة وزادها الانفتاح على الجميع.
*
بمن تأثرت في كتابة نصوصك؟
- القصيدة عندي دائماً ظلال للآخرين، قد استنكر على البعض أن يقول أنه ولد هكذا شاعراً كبيراً. القصيدة عندي يخلقها الموهبة والتراكم، لا استطيع أن أتكلم عن تجربتي دون أن أتكلم عن هذا التراكم الشعري الهائل عربياً ومحلياً. في مرة قلت: أنا ابن شرعي لتجربة الشعر الليبي واستنكر البعض هذا القول وتساءلوا: هل توجد تجربة شعرية ليبية؟! وأجبت: أنا ابن مخلص للعديد من شعراء ليبيا الذي كتبوا القصيدة بصدق ومعاناة خالصة. دائماً في نصي يوجد الآخرون، ربما لأنني أصغ كثيراً لتجارب الآخرين، في محاولةٍ مني لصياغة شيء مكمل وجديد. أتذكر تلك العجوز في قريتي (قصر ليبيا) عندما قالت ببساطة شديدة، أغنية شعبية ليبية، دون أن تعرف إنها تقاطعت مع شاعر بحجم (المتنبي) في فكرة جميلة ومدهشة. في فترة قال لي صديقي: كثرة القراءة والانفتاح على الكثير من التجارب هو زاد أي تجربة إبداعية!! مجمل القول: إنني حاولت الاطلاع على مجمل التجارب التي كان لها الأثر الأكبر في مسيرة الشعر العربي وكذلك التجارب التي شكلت التجربة الليبية، في محاولةٍ مني لتنويع مشارب تجربتي الشعرية. لا أنكر إن بعض الشعراء كان صوته أكثر ظهوراً في تجربتي الشعرية، لكنني كنت مهموماً دائماً بإظهار صوتي الشعري الخالص.
* ما هي مساحة الحلم في نصوصك؟
- الشعر عندي يتطابق تماماً مع الحلم، الشعر كان مجموعة من أحلام لم تتحقق. الشعرمساحة هائلة لترصد خطوات الحلم، القصيدة حلم كبير أعيشه عبر مجموعة من النصوص. لذلك أحاول أن أجعل القصيدة دائماً حلم متسع فضفاض، أكثر سعة ومتعة من الواقع الجامد البخيل. الحلم والقصيدة يتوحدان أيضاً في الخيال، فالحلم مفتوح على أقصى مساحات الخيال، بينما القصيدة لا تعني شيئاً بدون مساحة الخيال الشاسعة. لذلك استنكر القصيدة التي لا تدغدغ مساحة الحلم والخيال لدي، أحس تجاهها بالرفض، في القصيدة الحلم بدون حدود، لذلك اخترت أن اكتب القصيدة، وخصوصاً (قصيدة النثر) فقصيدة النثر قصيدة شائكة، أرى أن فيها الكثير مما يقال، وأرى فيها مساحة هائلة من التجريب وهذا في اعتقادي يشبع مساحة الحلم الهائلة لدي.
*
كيف تصف لنا علاقتك بالأمكنة؟
- علاقتي بالمكان علاقة شائكة، لذلك ظل هاجس الكتابة عن المكان، أكثر الهواجس بروزاً في هذه الفترة الأخيرة، المكان هنا يرمم الروح المهدورة في المشاغل والتفاصيل المقيتة. أنا أرى أن التجربة الشعرية يجب أن تكون مهمومة بتفاصيل المكان، المكان بأبعاده المختلفة، وبكل ما يحتويه من (شخوص، وقيم، وحكاياته، وأساطير). في الفترة الأخيرة، أردت أن أعطى المكان (ليبيا) براحاً متسعاً في قصائدي، هي ليست محاولة مني لإنتاج نص بخصوصية ليبية، فالخصوصية في رائي مسألة غاية في التعقيد. لكن المسألة هي محاولة تلمس هموم الشاعر من جانب مختلف، محاولة لنقاش الأفكار في قالب شعري، محاولة مني لتلمس المكان الذي تشكل فيه إحساسي الشعري الأول. أنا شخصياً مسكون بحنين محموم تجاه الأمكنة التي أمر عليها، ربما لأحتوي مساحة البحث عن قصيدة، البحث عن قصيدة في التفاصيل والشخوص، لهذا تتسع أيضاً مساحة الذكرى. إحساسي بالمكان إحساس بعدي وليس آني، لذلك فتعاملي مع المكان يبدأ من الذاكرة. المكان والذاكرة لا تنفصلان؛ فالمكان لا يتشكل إلا عبر الذاكرة، ربما لهذا لا تتشكل نصوصي بشكل متوافق ومنتظم مع المكان. إحساسي بالمكان مختلف ومعقد، لذلك أظن أن الكتابة عن المكان ستكون في غاية التعقيد!!
* وجيلك؟
- بدأت الكتابة مع مجموعة من الشعراء الشباب النشطين وعبر مجموعة من الصحف والمواقع. في أواخر التسعينات من القرن الماضي، بدأت النشر مع مجموعة من أمثال الشاعر خالد درويش، والشاعر عبدالدائم أكواص، والشاعر صالح قادربوه والقاص غازي القبلاوي، والشاعر رامز النويصري وغيرهم. مجموعة من الشباب نشطة ومتفائلة، حاولت إيصال صوتها إلى مختلف المنابر الإعلامية داخل وخارج ليبيا. لا أنكر أن تأثير هذه المجموعة من الشباب ظل ملازماً لي لفترة طويلة - ومازال مستمراً - هذه المجموعة ظلت الأقرب إلى تجربتي، وتواصلت مع غالبية التجارب الليبية الشابة سواءً بالإطلاع أو الكتابة النقدية. ظلت تجاربنا (حتى هذه اللحظة) تعمل بشكل متجاور ومستمر، لا أريد أن أطلق عليها تسميه خاصة مثل (جيل شعري أو مجموعة شعرية) لأن كل تجربة تشكل مع غيرها فسيفساء الشعر الليبي. أرى أن تجربة الشباب في ليبيا تحتاج إلى الكثير، لكنها في رائي تظل الأصدق والأكثر تعبير عن الإبداع في ليبيا.
* وأين تقع المرأة في نصوصك؟
- المرأة هي روح القصيدة، الشعر بدون وقع أنثى فارغ، والقصيدة التي لا تهمس فيها المرأة قصيدة مقفلة. بدأت كتابة الشعر من كتابة قصيدة تنتفض فيها المرأة بقوة، كانت القصيدة في أغلب صورها وقع أحادي لامرأة من خيال، كان خيال المراهق قوياً جداً، وكانت صورة المرأة هنا وفقاً لما تربت عليه الذائقة الشعرية عند شاعر مبتدئ، صورة اختزلتها قصائد الشعر العربي في ذلك الوقت، وتسربت إلينا مع مناهج الدراسة. بعد فترة من ممارسة كتابة الشعر حاولت أن اكتب المرأة التي تخصني وحدي، كانت المحاولة لكتابة قصيدة فيها الكثير مني والقليل من الآخرين. حاولت من خلال قصائدي العاطفية البحث عن جزء مفقود في تجربتي وحياتي بشكلٍ عام. حاولت كذلك التعاطي مع لفظة (المرأة) بحساسية مختلفة، وتناولها من جوانب وزوايا تعبير مختلفة. ويمكن ملاحظة أن المرأة التي تشكل بتنوع حالاتها الحياتية من (ابنة، أخت، أم، حبيبة) تؤثر بدرجة من الدرجات في الشاعر، ومهما كانت تجربة الشاعر مقفلة على بعض هذه التنوعات إلا أنها ستكون مفتوحة على البعض الآخر!! لا يمكن بأي حال من الأحوال اختصر لفظة (المرأة) في قصيدة حب تفيض بعاطفة الحب الملتهبة، إنها حالة وجدانية دائمة ومتجددة. المرأة قصيدة متشعبة وحالة إنسانية متعددة الوجوه والحالات!
*
هل تعتقد أن كتابة الشعر باتت ترف فكري؟
- ربما اتفق أو اختلف مع غيري، لكن كتابة الشعر حالياً أصبحت ضرورة، لا أتصور العالم بدون شعر، ولا تحلو الحياة بدون شاعر يستيقظ كل صباح ليكتب قصيدته بصخبٍ طفل، يمر على مشاغله، يذوب ذاته المرهقة في الآخرين، ينتفض بهدوءٍ مباغت أمام الأشياء الجميلة، يوقظ فينا إحساساً مختلفاً بالأشياء، يفجر فينا حاسة الجمال!! هل يمكن أن يخلو العالم من ضحكة طفل أو رفة فراشة؟! في المقابل: هل يمكن أن تخلو الحياة من شاعر؟! أنت عندما تسألني عن كتابة الشعر فإنك تسألني عن معنى الحياة!
ماذا أضاف الفضاء الالكتروني (الانترنت) لتجربتك؟
- الفضاء الالكتروني منح الأدب بشكلٍ عام عدد لا بأس به من المتلقيين، الأمر الذي جعل المبدع على تماس مع متلقيه ( سواءً كان حقيقاً أو افتراضياً ) النص أصبح مفتوح بشكل أوسع على شبكة هائلة من الأشخاص، وأصبحت شبكة الانترنت خيار المبدع الأول للنشر، خصوصاً أنها تمنح للإبداع عنصراً أساسياً من عناصره وهو الحرية. في رائي أن الشبكة الالكترونية هي رهان دائم ومتجدد على تجربة المبدع، فهي تمنحه فضاء النشر المتسع والهائل، وهو في المقابل يمنحها تجربة متجددة ومستمرة. تجربتي مع الشبكة بدأت عام 2004 من خلال إطلاق موقع ( تفاصيل ) والذي يقدم فكرة مبسطة لتجربتي الشعرية، وكذلك نماذج متنوعة من نصوصي، هذا الموقع البسيط المجاني منحي قدر هائل من الانتشار، وتماس مع عدد كبير من المبدعين الليبيين والعرب لا أن ربكة الأمور التقنية، جعل من عملية تحديث الموقع باستمرار جزئية صعبة نوعاً ما. في بداية العام الحالي (2009) أطلقت مدونة تفاصيل عبر موقع ( بلوقر) ولاحظت فروق كثيرة بين الموقع والمدونة، وبالأخص من خلال بساطة إدراج النصوص والتواصل مع المتلقي. أرى أن التدوين الالكتروني سُيغير مستقبلاً الكثير من الأعراف والتقاليد الصحفية، خصوصاً في تعامله مع الخبر. أعتقد أن الزمن القادم هو زمن التدوين، من حيث ما تمنحه المدونات للمبدع من أفاق متسعة للتعبير وسهولة النشر والقدرة اللامتناهية على التواصل والاقتراب من الغير.
* لم يعد الشاعر في نظر الكثيرين سوى مداح هل أنت مع هذا الرأي؟
- لا أدري بماذا تقصد بكلمة (مداح) هنا، لكنها كلمة تستدعي الكثير في ذهني عند ذكرها، عندما كان (المدح) غرضاً أساسياً من أغراض الشعر، وكان شعراء المدح فئة كبيرة تتكسب بالشعر، متغزلةً بصفات شيخ القبيلة أو الخليفة أو السلطان، مقابل كلمة مجانية رددتها كتب التراث مراراً وتكراراً: (أملئوا فمه ذهباً) هذا السؤال يقودنا مباشرة للكلام عن التطور الحاصل في أغراض الشعر، وأعتقد أن هناك مسافة شاسعة قطعها الشعر من كونه حكراً على شخص أو مجموعة أشخاص إلى أن يكون مشاعاً للجميع. أغراض الشعر السابقة تلاشت جزئياً وبالتالي تطور معها مفهوم الشعر، واختلفت كذلك معها نظرة الناس للشاعر، الشاعر الحديث يكتب نصوصه بعناد كبير جداً أمام عالم تسود فيه مفاهيم المادة، وهذا في نظري أهم انجاز أنتجه الأدب بشكلٍ عام والشعر بشكل خاص، وهو وفاءه لصوت الذات البسيطة مقابل أصوات الهتاف الهادرة. فشاعر بحجم (المتنبي) أرى أن قصائد المديح هي ما يعيب تجربته الشعرية، على الرغم من أنه هرّب ذاته في كثير من قصائد المديح الصفيق. الشاعر الحديث أكثر إخلاصاً لذاته ومتطلباته الصغيرة، واعتقد أن دور الشاعر المداح اختفى إلى حد ما، مقابل هذا التطور الحاصل في أغراض الشعر بشكلٍ عام. مع وجود بعض الشذوذ عن القاعدة، خصوصاً أن الشاعر المداح هو في الغالب شاعر بلاط (شاعر سلطة) أنا أخالف الكثيرين هنا في هذا السؤال: فالشاعر الحديث لا يمكن أن يكون مداحاً لضعف هذا الغرض من أغراض الشعر حالياً، وكذلك عدم تناسبه مع القصيدة الحديثة (تفعيلة ونثر).
* ما هي مسؤولية الشاعر في العالم؟
- سؤال بهذا الحجم يلقي على عاتقي أنا، وبشكلٍ مباشر مسؤولية كبيرة، أنا أرى أن التغيرات الحاصلة في العالم بشكلٍ عام، ساهمت في إلقاء مسؤولية كبرى على الشعراء. إنه زمن عدم الفهم زمن ترتبك فيه المعايير وتختلط فيه الأفكار، زمن يُستهلك فيه الإنسان بدل أن يَستهلك، زمن تسقط فيه الدول الكبرى والقيم الكبرى، وتركز فيه المادة على قمة سلم الاحتياجات الإنسانية، زمنٌ تقهر فيه الشعوب وتنتهك فيه الإنسانية باسم الإنسانية. في زمن كهذا أرى أن المسؤولية على عاتق الشعراء ستكون كبيرة، فأنا لا أريد من الشاعر أن يكون شاهداً على عصره - وإن كانت القصيدة بشكلٍ عام تكاد تكون وعبر كل العصور شاهداً بل مؤرخاً في بعض الأحيان - الشاعر هنا مسئول بالدرجة الأولى عن استعادة المفقود من الجميع، عن الذات المنتهكة، الشاعر مسئول بالدرجة الأولى عن استعادتنا لذواتنا المنهوبة منا في هذا الزمن المادي الراكض الذي يسحق أمام كله شيء. صحيح أن دور الشاعر المحرض والثوري تراجع في عصرنا هذا، إلا أن دور الشاعر الحقيقي في رأيي يكمن في الإحساس بالجمال و التبشير به.
* ما هو تقييمك للمشهد الشعري الليبي؟
- قد يكون رائي كشاعر في المشهد الشعري الليبي، فيه الكثير من المجاملة، لكنني أعتبر نفسي أحد القلائل الذين أطلعوا بهدوء وحذر من تجربة الشعر الليبي، ويمكن الخروج بنتيجة بسيطة هي أن الشعر الليبي أنتج قصائد ولم ينتج شعراء وعلى الرغم من حدة هذا الرأي (ويمكن الرجوع لمقالتي قصيدة أم شاعر) فالشعر الليبي لم ينتج شاعر بتجربة متدفقة ومستمرة متفاعلة ومتنقلة عبر جميع حالات الشعر.
ويمكن تلخيص رائي في عدة نقاط:
أولاً: انفتاح الشعر الليبي على التجارب الشعرية العربية الرائدة، أعطاها الاتساع ولم يعطيها العمق، فهي أخذت من الشعر العربي العديد من المزايا، وحاولت القفز على العيوب، فتجربة الشعر الليبي ظلت دائماً ضفاف للتجربة العربية، ولم تشارك في رسم الخطوط الرئيسية لها.
ثانياً: القصيدة الحديثة في ليبيا لا تركن إلى أساطير ذات خصوصية ليبية، ولا تستند على مخزون أسطوري كبير، لذلك نلاحظ تناثر الإشارات الأسطورية المستوردة من أساطير عربية.
ثالثاً: الشعر في ليبيا.. ينتج قصيدة وليس شاعراً، (تجربة تنتج نصوص أكثر من كونها تنتج شاعراً) أي بمفهوم الشاعر الظاهرة، الذي يتبنى مشروعاً شعرياً متكاملاً، فالغالب في شعراء ليبيا هو ممارسة الشعر ببعض النـزق، فالغالب يظل في خانة الموهوب في تعامله مع نصه دون أن يدخل مرحلة الاحتراف.
رابعاً: القصيدة الحديثة [ قصيدة الشباب ] تتنوع بتنوع الأصناف الأدبية، فالشعر العمودي موجود بجوار شعر التفعيلة وقصيدة النثر، من هنا فالشعر يتجاور بكل أصنافه.
خامساً: في الشعر الليبي تنعدم التيارات والأجيال الشعرية التي تستمد شرعيتها من واقع ثقافي متقارب، كذلك تظل تجربة الشعر الليبي تجربة انقطاع وليس اتصال، فالأجيال الحالية التي تمارس كتابة الشعر، لم تستفيد من تجربة الجيل السابق، بل تظل المؤثرات العربية هي الغالبة عند جميع الأجيال، فمن تأثيرات (السياب و نازك الملائكة، والبياتي) على شعراء الستينات، نجد تأثر شعراء قصيدة النثر الليبيين بدرجات متفاوتة خصوصاً في بداية تعاطيهم للكتابة الشعر برواد قصيدة النثر في المشرق العربي.
سادساً: القصيدة العمودية الحديثة في ليبيا تقتربُ من الذات كثيراً الأمر الذي يجعل من أغراض الشعر العمودي السابقة تختفي وراء سطوع الذات الواضح، وبالتالي تختفي بعض أغراض الشعر العمودي التقليدي (هجاء، مديح، رثاء،..)، نتيجة قرب التجربة الذاتية الكلي من المبدع. وهذا الآراء يمكن أن تحتمل الكثير من الاعتراضات، لكنها محاولة للاقتراب وقراءة تجربة الشعر الليبي بهدوء وبأكثر من زاوية.
* وهل هناك أصوات شعرية ليبية تشكل إضافة مهمة للمشهد الشعري العربي؟
- يوجد حاليا تجارب شعرية ليبية معاصرة لا ترتقي إلى المستوي العربي فقط بل هي تشكل مع غيرها إضافة للشعر العالمي، سواء من خلال تعاملها مع نصها أو من خلال الانفتاح الذي منحته الشبكة العالمية لنصوصها، الأمر الذي جعل التجارب الليبية المعاصرة أكثر قرباً للمتلقي العربي، هناك تجارب مهمة يمكن التوقف عندها: وهي تجربة الشاعر مفتاح العماري والشاعر عاشور الطويبي والشاعر محمد الفقيه صالح مع وجود أصوات شعرية نسائية مثل: الشاعرة حواء القمودي، والشاعرة أم الخير الباروني، والشاعرة سميرة البوزيدي وغيرهن. ويمكن التوقف عند تجربة الشعراء الشباب التي أعطتها الشبكة العالمية اتساعاً هائلاً، والتي أراها الأقدر حالياً على تمثيل الشعر الليبي أحسن تمثيل. ما ينقص التجربة الليبية هو حركة نقدية فاعلة تتلمس أبعاد التجربة، وتقرب من رموزها.
*
وهل في نظرك انتهت مهمة الشاعر؟
- لا أظن فكل زمان له قضاياها التي يمكن أن نطلق عليها الكبيرة، دور الشاعر متجدد وقضاياها متجددة، يمكن القول أن زاوية الشاعر للتعبير عن قضاياه تغيرت وهذا في رائي هو الموضوع الأبرز الذي يحتاج للنقاش. فالشاعر المعاصر مسكون بالتعبير عن الذوات المنتهكة والمصادرة، وهذه هي القضية الأكبر والأبرز في هذا العصر.

02 أكتوبر, 2009

قصيدتان / للشاعرة : حواء القمودي




- صباح الخير-

صباح الخير للبنت التي في المرآة

عينان مشاغبتان

أنفٌ مشاكس

فمٌ يشي بالربيع.
. . . . . . .
صباح الخير للقيلولة

تسفحني على مخدة العطش

فأضحك لعامي

كأنه السابع عشر.
. . . . . . .
صباح الخير

للبنت التي في المرآة

لما رأت الدمعة .

قالت حواء يا حواء

لنهتف ..

انت لي.

02 .06 .2009

* * *
- رقص -
انتظرك

الثانية عشر

أهئ الليل

استسلم ليديك

يدٌ تنزع أشواك الوجع

يدٌ تزرعني بالأمنيات

وأعرف أنك لست لي

انتظرك..

أنثى يؤذن الديك عند بابها

تهئ موائد الكلام

وتحرس شجر الرغبة

عند سرير الوطن

وتدرك أنك لست لي.

25. 05. 2009
( القصيدة نشرت بملحق الشمس الثقافي / العدد الخامس / 2009 )

25 سبتمبر, 2009

لا اشبهني !!

لا أشبهني
- عبدالباسط أبوبكر محمد -
* * *

[ صرتُ أشبه ما ليس يُشبهني . . محمود درويش ]

تدحرج العمرُ
وهذا الوجه المقابل
تنكسرُ فيه التجاعيد
وتغوصُ بهجته بعيداً في القرار
يُقابلني الآن وجه آخر
يمتلئ بالخدوش
صرتُ أشبه الكثيرين
ولا أحد
ضاعتْ في الزحامِ ملامحي
تناثرتْ في شقوقِ المرايا
تكالب الوقتُ
فرسم مروره السرمدي
على وجهي
هل تنكرني مرآتي الأولى ؟
لو عدتُ إليها مسكوناً بكلِّ هذا الارتباك
كيف تآمرت علىّ المشاغل ؟!
فسرقت وجهي العتيق
هل صرتُ لا أحد ؟!
يتسربُ الوهنُ في مفاصل قصيدتي
يخيفني البياض
أبدّدُ مخاوفي مثلما أسكب حبري
وأذوب مع كلِّ فكرة.
...........
هل صرتُ أنا
أم آخرين ؟!
...........
يسرقون أناي
وينصهرون فيّ
هل صار وجهي غريباً
أم تغيرت المرايا ؟!
..........
هل ابتعدت عن سمائي الأولى ؟!
وتعلمت المشي واثقاً بأكثرَ من وجه !!
. . . . . . . . . . .
25 .09 .2006

06 سبتمبر, 2009

نزقٌ لذيذ !!


ليبيا عبدالباسط أبوبكر
..........................................
الطفلُ الذي ترك حقيبتهُ
على حافةِ القلق
نام في آخر الصف ممتلئاً
بمعجزاته الكثيرة
نزل إلى الشارعِ
يُرممُ السؤالَ بالسؤال
ويذهبُ في اللعبِ
مُدججاً بيقينهِ الغامض
صغيراً بعقله الكبير
وحيداً في بياضه
مُستغرقاً في أضغاثه
مرَّ في حلق الدهشة
نهاراً من نشيد.
حملَ ألعابه معه
فسالَ من الكُتبِ نزقٌ لذيذ
الطفل الذي
لطخ وجه النهار بكوابيسه
مسكوناً بحمى الفوضى
ينثرُ ضحِكه
يركنُ لحماقاته
يشيدُ من دفاتره رؤىً طائرة
يُفجرُ حبرهُ في التفاصيل
الطفلُ الذي
ذهب في الرجولةِ بعيداً
يتوسد لغته الآن
ويفتشُ عن كلامٍ يتسعُ له
الطفلُ الماكر
يلتهمه وقتٌ شرس
ويذبلُ وحيداً أمام فكرةٍ باهته!!

30 يوليو, 2009

مشارف الآن !!


كان يفرشُ لوجهها
مساحاتٍ من بوح
يُعلنها هدوءاً
كان يفرشُ للأمنيةِ أهدابها
يتعطرُ بجذوةٍ من لهيبها
يمرُّ على ظنونهِ واثقاً
أين هي الآن؟!
وسط احتمالات الغد
وسط الجيوب المقفرة
وارتجاف الغيم بعيداً
وسطوة الإسمنت ‍‍!!
. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . .
كان يُلّونُ اليوم بضحكتها
هي فارعةٌ بالوقت
تديرُ دوامة التفاصيل
وتلهو بأمنياته.
هو الآن
يُسلّمُ ألوانه إلى المخاوف
وينتظر أن تنسكب السماءُ
ألعاباً وحلوى.
. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . .
كانَ ..
أيُّ فعلٍ ناقصٍ هذا ؟!
الذي يُذكرني أن قصيدتي
لن تكون بخير !!
. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . .
لذلك :
سأجمعُ الحلمَ بصمتٍ
سأفكرُ بأصابعي قبل أن أفقدها
ورأس قلمي قبل أن ينكسر
وسأحصي كم حرفاً
سأكتبُ قبل الأفولِ
وسأفكرُ باليوم فقط
وأترك الغد خارج قفصي
سأقول صراخي بصوتٍ هادئ
وسأحمل معي دائماً كلماتٍ وديعة
تليقُ بكلِّ هذا السكون !!

07 يوليو, 2009

هل توجد نظرية شعرية عربية لقصيدة النثر؟



أحمد بزون *
* * *
هل توجد نظرية شعرية عربية لقصيدة النثر؟
أحاول أن أجيب بسؤال آخر؟ هل ولدت مثل هذه النظرية عندما تأسست قصيدة النثر العربية ذات يوم من عام 1959 في مجلة (شعر)؟ معروف لدى الجميع أن بيانين صدرا حينها، الأول لأدونيس أطلق فيه الترجمة العربية(قصيدة النثر)، والآخر لأنسي الحاج أطلق فيه مقدمة <لن>، أول كتاب شعري اعتمد أصولَ الشكل الشعري الجديد وجوهرَ التجربة الشعرية. البيانان رسما مشروع قصيدة النثر، وحدّدا أشكال انعطافها عن الحداثة الشعرية الأولى. والبيانان لم يشكلا نظرية عربية، إنما كانا أشبه بتلخيص للنظرية التي أعدتها الفرنسية سوزان برنار في كتابها الرائد (قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا). حتى الآن لم يدّع أحد، أو ربما ادعى العديد من الشعراء، كتابة نظرية خاصة بقصيدة النثر العربية، وقد لا تكون مهمةُ التنظير منوطةً، في الأساس، بالشعراء، اللهم إلا في المراحل التأسيسية. فالشعراء المؤسسون كانوا مهتمين بتبرير كتابة قصيدة النثر ونظرياتها، ومهتمين باختبار هذه التجرِبة الجديدة. كان لأدونيس دورٌ في تعريب النظرية، إلا أنه، وهو الأكثر اهتماماً بالشأن النظري، بسبب اهتماماته بالفكر والفلسفة، لم ينقطع إلى وضع نظرية عربية متكاملة للقصيدة الجديدة. شعراء قصيدة النثر الذين توزعوا في ما بعد على كل الأقطار العربية، انشغلوا ربما في رد الهجمات التي تعرضوا لها من قبل المحافظين والحداثيين الأوائل في آن معاً، وانشغلوا في ردّ تهم تخريب الشعر العربي والعمالةِ للأجنبي وكلِّ ما تستطيع أن تصطاده الألسن الطويلة، أما النقاد فلم يتصدَّوا لمثل هذه المهمة الخطرة، إذ لم يكونوا قد برئوا من صدمة الحداثة الأولى، ثم لم يتجرّأ أحد منهم استعداء تيارات التحرر العربية المنتشرة بين المحيط والخليج، من ماركسيين كان سيلهم يتسارع، وقوميين عرب كانت حركتهم في أوج تصاعدها قبل نكسة .1967 الحقيقة أن ثورة قصيدة النثر، التي تشكل، برأيي، الثورة الشعرية الثانية، أو الصدمة الأخرى، بعد الحداثة الشعرية العربية التي بدأت مع السياب والملائكة... تلك الثورةُ الشعرية لم تواكبها حركة نقدية توازي حدث نشوئها وتطورها ومن ثم انفلاشِها السريع في كل الساحات الثقافية العربية. تصوروا أنه لم يصدر أي كتاب يتخصص بقصيدة النثر، إلا بعد 37 سنة على تأسيسها، فمنذ عشر سنوات عندما نشرت كتابي <قصيدة النثر العربية>، كان الكتاب العربي الأول الذي يحمل هذا العنوان، وبالطبع لم أحمّله أي تنظير، ولم أدعِ نظرية شعرية، إنما كان مجردَ إطار للأفكار والنقاشات التي اشتعلت حول قصيدة النثر، المبعثرةِ بين فصولٍ في كتب نقد الشعر وفي الصحف، خصوصاً على صفحات مجلة <شعر>. النقد المنهجي الأكاديمي لقصيدة النثر كان غائباً ولمّا يزل، على حد ما يتناهى لنا من أخبار الإصدارات العربية الجديدة، مع أن ظروف قصيدة النثر اليوم باتت أفضل مما سبق، فهي لم تعد محاصرة كما في البدايات، لا بل العكس هي التي تحاصر قصيدة الوزن أحياناً، خصوصاً على مستوى الإمساك بمنابرَ إعلاميةٍ كثيرة. لا شك في أن قصيدة النثر العربية في حاجة ماسة إلى نظرية، أو في حاجة إلى السؤال عن خصوصيتها بين قصائد النثر في العالم، أو في حاجة على الأقل إلى خلاصات نظرية، بعد نصف قرن من التجربة. أليس من البديهي أن نسأل، مثلاً، عمّا يميز قصيدة النثر العربية عن سواها؟ وإلى أي حد أفقنا من الصدمة التي أحدثتها في الشعر العربي؟ وهل استوعبنا عملية حرق المراحل التي حدثت لتلحق قصيدتنا بمنجزات المدارس الغربية على هذا المستوى؟ أليس من المعيب أن يكون السؤال دائماً عن المرجعيات الغربية لقصائد فلان وفلان من المبرَّزين في قصيدة النثر العربية؟ وكيف نقتنع برد التهمة التي تقول إن شعراء قصيدة النثر مترجمون؟ هي أسئلة لا بأس أن نطرحها، وإن بشيء من القسوة على أنفسنا. ونسأل أيضاً: لماذا تراجعت اليوم النقاشات النقدية التي كانت محتدمة في البدايات حول قصيدة النثر العربية، في وقت يتناسل فيه شعراء هذه القصيدة بكثرة في الأقطار العربية؟ هل لأن تراجع مكانة الشعر في العالم، وبالأخص في المجتمع الذي كان الشعر فيه ديوانَ العرب، ضاعف حال الترهل النقدي، وغيّب بالكامل مسألة التفكير بوضع نظرية شعرية لقصيدة النثر العربية، بل تحول النقد إلى مهمة أقرب إلى رثاء الشعر منه إلى بنائه. قد يقول قائل: هي قصيدة نثر مكتوبةٌ باللغة العربية وكفى، فلماذا نفتعل لها نظرية عربية؟ أدونيس نفسه فرّق بين قصيدة النثر في اللغة العربية، وبينها في القصيدة الفرنسية أو غيرِها، حين قال <إنهما تفترقان بخواص ومزايا يفرضهما، بدئياً، فرق اللغة، والعمل اللغوي>. وأنسي الحاج توقّف ذات يوم مع يوسف الخال عند جدار اللغة العربية الذي، برأيهما، اصطدمت به قصيدة النثر. الافتراق كان أيضاً ولمّا يزل حول طبيعة الخواص العربية لقصيدة النثر، وحول ما تفقد هذه القصيدة وما تكسب بالترجمة. هو، بكل بساطة، افتراق بالشعرية وباللغة أيضاً، هو افتراق جذور، فالجنس الجديد كما قال تودوروف هو (تحويل جنس سابق، بقلبه، بإزاحته، بالارتباط به). وإذا قال أنسي الحاج :( القصيدة الحديثة هي جزء من مؤامرة على التقليد العربي)، فإن الافتراق كان أيضاً في طبيعة هذه المؤامرة، وفي طبيعة تعامل القصيدة الجديدة مع التراث. شعراء قصيدة النثر العرب المؤسسون للتجربة كانوا متفقين في البداية على الخطوة الأولى لثورتهم، لكن ما الذي حدث بعدما ابتعدوا مسافة زمنية عن الصيحة الأولى؟ بكل بساطة بتنا مع المؤسسين أمام قصيدة متعددة الرؤوس. أو لنقل دبت الفوضى الفوضى الإيجابية بين شعراء قصيدة النثر، بل دبت الخلافات السلبية التي اتخذت طابعاً سياسياً أو إيديولوجياً أو شخصياً، وانفجرت قصيدة النثر في كل اتجاه. أدونيس عاد إلى الكلام على قصيدة النثر كواحد من خياراته الشعرية، لا كشكل يحدد الزمن كما يقال. وراح يكمل كتاباتِه النظريةَ حول الحداثة الشعرية بصفته شاعر حداثة لا شاعر قصيدة نثر. وشوقي أبي شقرا انشغل بتحوّله من قصيدة الوزن إلى قصيدة النثر، مستكملاً تصعيد تجربته الخاصة. أما الماغوط فلم تكن له أي علاقة بالتنظير، بل كان يكره الخوض فيه، وهو لم يكتب، في الأساس، قصيدة النثر حسب أصولها، أي على أساس فقرات مكتملة الأسطر، إنما كتب ما يعرَّف، شكلاً، بالشعر الحر. لن نكمل جردة الشعراء،

لنسأل: ماذا حدث بعدما تفرق عشاق مجلة (شعر)؟

أولاً:- كانت نظريات الشعر، في زمن ولادة قصيدة النثر العربية، أسيرة الايديولوجيات، وكان شعراء قصيدة النثر، المدموغة غالبيتهم بالقومية السورية، يشتبكون مع واقعيي مجلة (الثقافة الوطنية) من جهة، ووجوديي مجلة <الآداب> من جهة أخرى. أما اليوم فلم يعد الكلام على شعراء قصيدة النثر مشوباً بتهم سياسية، فقد توزع شعراؤها على تيارات سياسية متنافرة، نستثني من ذلك التيارات الدينيةَ الأصولية. وهذا ما جعل مرحلة الاجتماع على أهداف ثورية ينتهي، ما سبّب حالاً من التشتت النظري لمّا تزل مستمرة حتى اليوم.

ثانياً:- إذا كان رواد قصيدة النثر، بغالبيتهم، أعلنوا قطيعتهم مع الرومنطيقية، فإن هذه الأخيرةَ عادت وتغلغلت في القصيدة الجديدة مع الأجيال التالية، بعدما تحولت هذه القصيدة إلى ما يشبه وعاء كشكولياً، لكثرة ما اتسعت من تناقضات غريبة عجيبة. فالشكل لم يستطع أن يكون مصفاة للتقليد.

ثالثاً:- إذا كانت سوزان برنار مرجعاً لخطوات الرواد، فإن كل شاعر من الاجيال اللاحقة راح يجرب نفسه في التنظير، لكن في التنظير لقصيدته هو بالطبع.

رابعاً:- لم تعد قصيدة النثر اليوم عنوان التمرد والتخريب أو خيانة الشعر العربي كما كانت من قبل. ولنقل بكلام آخر: إنها باتت سلطة راكدة لا ثورة فوّارة متمردة.

خامساً:- إذا كان الرواد، بغالبيتهم، أتوا من قصيدة الوزن إلى قصيدة النثر، فإن شعراء قصيدة النثر، من الأجيال اللاحقة، بدأوا الكتابة من دون المرور بمرحلة تحول أو اختبار جدارة شعرية في حلبة الوزن، وهذا غير ضروري بالطبع.

سادساً:- لم تعد كتابة قصيدة النثر ضرباً من مخالفة السائد أو تميّزاً، ولم يعد شاعر قصيدة النثر في الطرف الساخن من الشعر، بعد انتشار التشكيك في سخونة الشعر كله. أما وقد توقفت (حرب الإلغاء)، فالاعتراف بين طرفي الشعر الحديث، كل بالآخر، بات أمراً شبه بديهي. بل إن نوافذ الكتابة لدى بعض الشعراء أطلّت في الاتجاهين، ثم لم يعد الشكل كافياً لفهم الشعر الجديد أو تقويمه.

سابعاً:- لم يتكرس شكل السطر الكامل شرطاً من شروط قصيدة النثر، تلك التي تخطّت الشكلانية، واستمرت تتقدم، في أكثر حالاتها، على هيئة الشعر الحر غير الموزون وغير المقفى، أي أنها تشاركت مع قصيدة التفعيلة برسمها العام. وصار الشكل الداخلي هو الأساس في التفريق بينهما. بل الأطرف من ذلك أننا بتنا نستطيع اتهام بعض شعراء قصيدة النثر ب(النظم) و(الخطابية)و(الإيقاعات الطنانة)نستطيع أن نكمل في توصيف التحولات النظرية لقصيدة النثر عندنا، لكن لا بد أن نختم بالقول:

إنه خلال نصف قرن من التجربة لم تطلق فكرة جديدة متكاملة تؤسس لنظرية عربية خاصة بقصيدة النثر. نطمح إلى أن يسير في اتجاه بلورة نظرية متكاملة، تأخذ بعين الاعتبار التباسات الحياة وتسارع حركة التجديد فيها. وقد بات من المؤكد أن من يبرع في كتابة قصيدة النثر من الشعراء العرب هو من يستطيع استيعاب علاقة الشعر بشعرية أحلام التكنولوجيا. لذلك قلة هم شعراء قصيدة النثر المبدعون، وكثيرة هي قصائد النثر التي نستطيع أن نرميها في البحر بلا أسف، وكما قال ماكس جاكوب: (لتكون شاعراً حديثاً، يجب أن تكون شاعراً كبيراً جداً).
ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ناقد من لبنان

تم إعادة نشر المقالة بموافقة موقع ( الامبراطور )



23 يونيو, 2009

العربة التي تجرُّ على ظهرها الريح !!

العربةُ التي تجرُّ على ظهرها الريح
إشكالية تعريف قصيدة النثر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم :عبدالوهاب الملوح


استطاعت قصيدة النثر العربية خلال نصف قرن أن تراكم مجموعة من الأعمال الشعرية أثبتت من خلالها أحقيتها الأدبية فحسمت مسألة الجدل الدائر حول شرعيتها وقد لفتت الانتباه إليها بما تقترحه من مقاربات جمالية وتصورات فنية بعيدة عن السطحية والارتجالية والانفعالات العاطفية متنكِّبة عن السائد تقوم على النقيض تماما من المفهوم المتداول للشعر وهي وإن كسبت معركة إثبات شرعيتها من وقت ظهورها كمصطلح ـ العدد 14من مجلة ‘شعر’ ربيع 1960- إلى أيامنا هذه، فأكَّدت نسبها ـ رغم أصوات الاحتجاجات العالية غير المعترف بها في العائلة- فالجدل بشأنها لم ينته وما زالت تثير الكثير من الحراك؛ الساحة الشعرية العربية في أشد الحاجة إليه. هو جدل انتقل من الخارج إلى الداخل؛ بين خصوم الشعر بالنثر وأنصاره فأصبح دائرا في الداخل بين الذين تبنوا المصطلح؛ دافعوا عنه سواء بالتنظير له أو الإبداع في صلبه.كانت فترة السبعينيات والثمانينيات اختبارا حقيقيا لقصيدة النثر وقدرتها على الصمود والبقاء بعد الضربات الموجعة التي تلقَّتها على أول نشأتها كمصطلح جديد- دخيل- وكان جيل الرواد الثاني على قدر من إدراك أهمية هذا الاختبار، فاندفع الشعراء إلى العمل وظهرت إلى الوجود جماعات، تلاها بروز مجلات تتخصَّص في قصيدة النثر تدعم ذلك سلسلة من الإصدارات الشعرية مما حقق مراكمة إبداعية طبعا دون إهمال الجانب التنظيري سوف يتأكد من خلال موجة من البيانات تتنزل في إطار السجالات الأدبية التي تدور رحاها حول شرعية شعرية هذه القصيدة. ولقد كان هذا التنظير ضرورة وعي آمن به أصحاب قصيدة النثر خاصة في ظلِّ إهمال النقاد لأعمالهم وعدم اعتراف رواد قصيدة التفعيلة بهم كشعراء ؛ وكان هذا الوعي بمثابة إعلان حالة طوارئ واستنفار بين صفوف المناصرين لهذا اللقيط كما يحلو للبعض تسميته مما أنتج شعراء على درجة عالية من الثقافة والاطلاع المعرفي والهم الإبداعي والتحرر من جميع أشكال السلطة مهما كان نوعها وهو ما انعكس إيجابا على إبداعاتهم التي ازدادت عمقا في رؤاها فتطورت تقنياتها وأساليب أدائها وعانقت ذرى فنية عالية كل هذا دون أن تركن إلى يقين الجواب أو تهدأ من قلق البحث وبينما كان سؤال البدايات :

هل نُحرج من النثر قصيدة ؟ / هل هناك قصيدة نثر ؟ / ما معنى قصيدة نثر ؟

أصبح السؤال اليوم:

ما هي قصيدة النثر ؟ / كيف تتحق الشعرية بالنثر؟ / لماذا هذه التركيبة المتنافرة قصيدة/نثر؟

رغم ما تحقق من منجز إبداعي في هذه القصيدة وفاق في مراقيه الجمالية أحيانا بعض الأنواع الأدبية الأخرى فحظي باهتمام النقاد والدارسين من حيث التحليل والدراسة والنقد غير انها لم تبرأ من عقدة تعريفها ؛ لذلك سيعمل كل شاعر مع شيء من الاحتراز على صياغة مفهومه أو ما يشبه ذلك للخروج من هذا المأزق ورسم خارطة طريق ستكون بمثابة علامات لهذه العربة التي تجرُّ على ظهرها الريح و’تقفز في المجهول’ غير ان هاجس صياغة التعريف ليس مردُّه تبرئتها من تهمة اللقاطة رغم ان اللقيط لم يكن يوما في موضع اتهام، وليس مردّه أيضا إخراجها من دائرة الغموض من اجل الوضوح وهو لم يكن أيضا بسبب تشريع قانون يتم الاحتكام إليه ؛ فهذا الهاجس بكل بساطة نابع من أصل وطبيعة قصيدة النثر التي تستعصي على الاكتمال المفهومي طالما ان في هذا الاكتمال نهايتها وهي التي لم تكن يوما ثورة بل انقلابا يتجدد كل مرة وينقلب هكذا سيهيئ للأمر واحد من أهم شعراء قصيدة النثر :‘تبحث باستمرار عن تعريف لنفسها لا تجده لكنه يبقيها في دوامة البحث وفي قلق نظري وعملي وفي نوع من الحث المستمر الصعب’ (1)وكونها قصيدة البحث المستمر والسؤال الدائم الذي ليس له جواب فهذا لم يمنع شعرائها من التفكير بشأنها ومحاولة تحسس خاصياتها وما يميزها عن القصيدة الكلاسيكية. يقول سركون بولص:‘ إن قصيدة النثر العربية الحاضرة مغامرة انطلقت من عدم الاقتناع بإيقاعات القصيدة التقليدية وإيقاعاتها مستمدة من شكل القصيدة ومن التجربة الموجودة فيها لذلك فإن إيقاعات غير ثابتة وغير ممكن أن تكون مقننة’.وفيما يخصُّ أدواتها الفنيَّة يقول صاحب ‘ حامل الفانوس في ليل الذئاب’ :‘ ولقصيدة النثر تقنيات وأساليب تعتمد كثيرا على المقابلة وعلى تقابل الأشياء وتصادمها’.غير ان المفارقة عند سركون بولص هي اعترافه بأنه لا يكتب قصيدة نثر:‘ في الشعر العربي عندما نتحدث عن قصيدة نثر نتحدث عن قصيدة مقطعة وهي مجرد تسمية خاطئة وأنا أسمي هذا الشعر الذي اكتبه بالشعر الحر . واذا كنت سميتها قصيدة نثر فأنت تُبدي جهلك لأن قصيدة النثر هي التي كان يكتبها بودلير ورامبو ومالارمية poesie en prose أي قصيدة غير مقطعة ‘ (2)يذهب سركون إلى العمق ؛ الى حيث لا بد من قصيدة نثر عربية أصيلة ؛ قصيدة ليست لها مرجعية أوروبية ولكنها تأخذ أصولها من مكوناتها الذاتية على أن تكون ملمومة غير مقطعة ؛ وهو واع بالفروقات بين الأنواع الأدبية، هذه الفروقات التي لها طابعها الجيوثقافي ومن هنا يتأتى وعيه بما يكتبه؛ هذا الوعي الذي نتج عنه فهمه الخاص لنصه من انه نص يستمد جماليته من تنافر عناصره ولا قانون يتحكم في إيقاعه ؛ فلا قياسية للإيقاع في هذه القصيدة كما سيؤكد على ذلك الشاعر المصري حلمي سالم :‘إعادة اكتشاف لليومي ؛ التفصيلي …باعتباره المادة الحيوية للحياة واستعادة الجسد الانساني …من براثن التعنت والقمع الصامت ؛ شعرية أخرى بلا شاعرية ؛ شعرية التعرية والصدم والفجاجة لا تفتقر إلى إيقاعها الخاص ؛ إيقاع لا قياسي، لا معياري’ ( 3) يصالح حلمي سالم الشعر مع الشارع اليومي ؛يرده إلى الرحم الأولى، الحياة، حيث دقائق التفاصيل ؛ حيث يتنفس الإنسان الوجود معجونا بكل ما في هذا الوجود من افكار وعواطف وأحاسيس وأشياء ؛ يعلّي الشعر من شأن اليومي العابر هذا البسيط الذي هو في الحقيقة جوهر الوجود ومن هنا يعلن الشعر تمرده حين لا يبالغ في التحليق بأجنحة الخيال وحين لا يتوسل لغة فخمة منجدة ببديع المحسنات وحين يترجم مشاعر الكائن المقموع ويفضح هذا القمع بأيسر الأساليب. ولصاحب ‘حياة معطلة’ رأي قريب من هذا إذ يقول عبده وازن :‘هي التي تستوحي الحياة الحديثة، كان لا بد لها من أن تتمكن من احتواء الأصوات المتنافرة والانقطاعات والأنغام الناشزة؛ إنها قصيدة الضوضاء وقصيدة الصمت وقصيدة الصراخ وقصيدة القلق؛ قصيدة التمرد الدائم والاكتشاف الدائم’ (4)هي المرايا العاكسة لكل تفاعلات الحياة الحديثة ؛ صوتها المتكلم صمت وسوف يتعزَّز هذا الانعكاس بما قد يتضمَّنه من بؤر سردية، وإلى هذا يذهب أمجد ناصر القادم من تجربة طويلة مع قصيدة التفعيلة ؛ يتحدث عن كتابه ‘حياة كسرد متقطع’ فيقول :‘قصيدة النثر التي لها خاصية القص تارة، السرد تارة أخرى، الأمثولة حينا، الاستطراد حينا آخر ولها ما للنثر أيضا من إخبار وبرهنة وتحليل’ (5) طبعا ما دامت تهجس باليومي والتفصيلي فهي ستحفل بالسردي لما من ترابط بين إيقاع الحياة اليومية والتشكيل والبناء السردي، وهو ما سيحرص على التأكيد عليه عبد القادر الجنابي كخصيصة مميزة لقصيدة النثر رغم انه سيؤكد على المقترحات الثلاثة التي استخلصتها سوزان برنار فيقول :‘قصيدة النثر هي النثر قصيدة. كتلة يتأتّى قصرُها من نظامها الداخلي، كثافتها النوعية ومن حدتها، ليست لها أية غرضية بل خالية من أي تلميح إلى مرجع شخصي. كتلة قائمة بذاتها’ ( 6).قصيدة الكتلة حيث القطيعة النهائية مع الموروث الشعري العربي وانتفاء السطر بل هو السطر النثري في شكل كتلة تتسم بالتركيز والاعتباطية والإيجاز. هكذا رأي الجنابي في قصيدة النثر هذا الرأي الذي سينسفه بول شاوول جملة وتفصيلا كما في نهاية تحليله للمسألة :‘قصيدة النثر أولا وأخيرا هي مسألة ذاتية فردانية بهواجسها وتعابيرها وبقدر ما تنتمي إلى نفسها تتمرد عليها، بهذه الذاتية التي تأبى التعميم أو التقنين ؛ فقصيدة النثر العربية عبر تراكماتها لم تشكل نوعا ذا أسوار وقضبان وإنما هي أشكال كتابية تنتمي إلى فضاء من التحولات غير المتوقعة وغير المحسوبة ويكفي الشاعر ان يقصد ويعني انه يكتب قصيدة منفلتة من الأوزان والبنى الجاهزة( 7) هل هي استحالة الوصول الى تعريف جامع مانع كما سبق ونوَّه بذلك صاحب ‘لمريض هو الأمل’؟ وسيصر على ذلك أمجد ناصر : ‘صعوبة ..إن لم تكن استحالة الوصول إلى تعريف جامع مانع ( 8 )هي طبيعة هذه القصيدة منفلتة بحكم انتمائها إلى مجال أرحب وأوسع أفقا هو مجال الحرية التي هي الوقود الحقيقي للإبداع بحيث لن يطالها أي تعريف طالما انها قيد البحث والتجريب وهو ما انتهى إليه اخيرا صاحب ‘دفتر سيجارة’. من يعد هناك شعر بالمفهوم الجاهز والقصيدة وحدها لم تعد كافية بالمفهوم التنظيمي القديم وحلَّت الورشة مكان النظرية القديمة والإيديولوجيا . المطلوب قصيدة جديدة قائمة على مفهوم الورشة’
(9) لن ينتهي الجدل بشأن قصيدة النثر وتعريفها إنه’ كمحاولة الإمساك بذبابة في غرفة معتمة’ وفق رأي شعري لتشارلز سيميك ؛ غير أن مزية هذا الجدل انه لفت الانتباه إلى قاسم مشترك بين أغلب الشعراء فكونها ذاتية منفلتة؛ مفتوحة على جميع الأجناس الأدبية فهذا لن يُعدم ان لها خصائص تميزها عن بقية الأنواع الأدبية من ذلك ؛ الوعي بها كقصيدة مختلفة عن القصيدة القديمة الموزونة ؛ وحدتها العضوية ضمن بنية محكمة شديدة التماسك ؛ تصدِّيها لأشد مواضيع الحياة حساسية ومقدرتها على دمج اليومي البسيط العابر مع الكوني الفلسفي المجرد ؛ أهمية تنضيدها في شكل كتلة بما سيمنحه مثل هذا النوع من التنضيد من إمكانيات أخرى لاستثمار البياض ومن خصائصها أيضا اعتمادها على لغة تأخذ من النثر بساطته ومن الشعر كثافته وكل هذا طبعا سيؤدي إلى توفرها على إيقاع غير قابل للقياس على غرار الإيقاع التقليدي .

ــــــــــــــــــــــ
شاعر من تونس


الإشارات:

1. عباس بيضون . في قصيدة النثر جريدة ‘السفير’ 28/06/08.
2 .سركون بولص. حوار مع الشاعر مجلة ‘نزوى’ ص 188العدد 6 نيسان/ابريل 96.
3 .حلمي سالم . قصيدة النثر ملاحظات اولى مجلة ‘فصول’ المجلد 16 العدد1 صيف 97 ص309.
4 .عبده وازن .جريدة ‘الحياة’ اللندنية 22/05/06
5 .أمجد ناصر جريدة ‘القدس العربي’ 30/05/06
6 .عبد القادر الجنابي نص بمناسبة مؤتمر قصيدة النثر ببيروت. جريدة ‘إيلاف’ الالكترونية.
7 .بول شاوول ‘مقدمة في قصيدة النثر’ مجلة ‘فصول’ المجلد السادس العدد1 صيف 97 ص 126
8.أمجد ناصر نفس المرجع السابق.
9 .بول شاوول حوار مع الشاعرمجلة ‘نزوى’ العدد 58 نيسان/ابريل 09

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن موقع دروب ( تم إعادة نشره بموافقة الشاعر )

22 يونيو, 2009

أسئلةٌ على قدر الوجع!!


خواطر عن الزمن والقصيدة
......................
......................
........................





من لا ذاكرة له فليصنع ذاكرةً من ورق .. ماركيز
* * *
قيل لي .. أن زمناً غير هذا الزمن .. وقبل أن يلتحف الجرح بالصبر .. عندما كانت الأحلام طليقةً كعصافيرَ مرحة .. عندما كان القلب مفتوناً بالدهشة .. وعندما كانت اللقمة مبتلةٌ بالعرق.
قيل لي : أن القصائد كانت مشرعةً على الذات ، وأن الكثير من الشعرِ لايذهبُ بعيداً ليطفئ في سكون بليد
كان الصمت يمرُ كلِّ مساء .. مضمخاً برائحة السكينة .. كان الأفق المفتوح خيمةً من أمنياتٍ نزقة.
أيها الشعر .. أيها الكائن المرتعش
أيتها الأمنية المكسورة الجناح .. كيف يبدأُ الشاعر المتعب الطريق .. والصخب يملئُ الطرقات.
* * *
أتوسدُ كلَّ مساء .. مذاق الحلم العتيق .. أتذكرُ كيف كانت الأزمنة مشحونةٌ بالأسئلة .. والورق يخاتلني ببياضه الشهي .
أتذكر ..
ركضي خلف قصائد الأقدمين
قصائدي المزركشة بالخواء
والكلام طريق نحو الهذيان
أتذكر نقاد البدايات ..حائرٌ أنا ..وهم حائرون
أتذكرُ رائحة أول قصيدة نثر
أول قصيدة غير شرعية في زمن غير شرعي
أتذكر نبؤة رجل كهل قال لي يوماً :
سيضيقُ عليك زمنك يا شاعر قصيدة النثر البائسة
سيكون زمانٌ غير هذا الزمان
ستكون قليلاً .. كسؤال فقد جوابه
أيها الشاعر الممتلئ كواجهةٍ محلٍ حديث
ستنطفئ قصيدتك .. على أعتاب الدخول
وستموت وحيداً .. ستموت وحيداً!!

10 يونيو, 2009

بيل غيتس الليبي


بدأ (بيل غيتس ) حياته المهنية وهو طالب في المرحلة الجامعية ، ويكاد يكون برنامج ( النوافذ )- الذي ساهم بشكلٍ فعال في نقل الكمبيوتر من جهاز ثقيل ممل إلى جهاز عملي ممتع- هو السبب الأساسي في ثروته
هذا الرجل الذي يشغل بال وسائل الأعلام المختلفة بثروته المتزايدة ، وبساطته في طرح الأفكار وكذلك في المظهر واللباس .
وهو صاحب أكبر ثروة ،حيث تقدرثروته( بأربعين مليار دولار) بحسب مجلة "فوربز" وهو يخصص وزوجته ميلندا جزءا كبيرا مما يملكاه لتمويل مؤسسة تكافح الأمراض والفقر المدقع في العالم.( ليبيا جيل )
هو لأن يدعو بل ويساهم في إنشاء العديد من الجمعيات الخيرية التي تساهم في مكافحة الأمراض والفقر في العالم
سؤال مهم : وأنا أقرا هذا الخبر في ليبيا جيل :هل لدينا رجال أعمال لديهم هذا الحس الإنساني ؟!
والإجابة ستكون في منتهى البساطة : لا
فأغنياء العرب هم صنيعة ظروف ومصادفات غريبة ، فأغلب الأثرياء العرب جاء ثرائهم أما من خلال التجارة الغير مشروعة ، أو من خلال التكسب من خلال الوظيفة العامة ، أو هم أثرياء السلطة ، وهؤلاء في الأغلب أبناء السلاطين والأمراء.
الأمر الذي يجعل مشاريع من هذا النوع الذي يدعو إليه ( غيتس ) بعيدة كل البعد عن أناس جاء ثرائهم من طرق غير مشروعة
لا أقول الكل ، بل البعض ممن جاءت ثرواتهم عن طريق مشروع ، تراهم يعزفون عن جوانب إنسانية مختلفة.
ونمعن النظر لنرى مثلاً : كم ( غيتس ) لدينا في ليبيا مثلاً ، والإجابة ستكون محط أنظار الجميع ، فأغلب أثرياء ليبيا هم من التهم مؤسسة أو أمانة ، أو مارس عملاً غير مشروعاً.
وهؤلاء لن يتبنوا أي نشاط أهلي ثقافي واجتماعي ، ولن يكون لهم أي دعوة إنسانية خيرية.
( بيل غيتس الليبي ) مواصفاته مختلفة جداً ،
فثروته الكبيرة جاءت مصادفة وثراءه جاء من استغلال مركزه الوظيفي ، يرتدي أغلى الثياب ويركب أفضل السيارات. حالة من الغطرسة والانفعال والتعقيد ، مجموعة من العقد ،
بيل غيتس هنا / أو فلنقل ( الأثرياء هنا ) حالة خاصة جداً تختلف عن العالم كله، ولها مواصفاتها الخاصة التي يجب التوقف عندها ..

ودمتم